.
.
ماحكم التوسل بالنبي؟
الحمد لله. فيه تفصيل: إن قصدت التوسل بعملك الصالح؛ كأن تقول: اللهم بحبي واتباعي لنبيك... فهذا مشروع بل مطلوب كما في الآية {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فكتبنا مع الشاهدين}.
وأما التوسل بذاته الشريفة أو بجاهه -صلى الله عليه وسلم- فهذا لا يجوز لأنه ابتداع في الدين، وحديث (توسلوابجاهي..) فهذا -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية-: وروى بعض الجهال عن النبى أنه قال إذا سألتم الله فاسألوه بجاهى فإن جاهى عند الله عظيم وهذا الحديث كذب ليس فى شىء من كتب المسلمين التى يعتمد عليها أهل الحديث ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث مع أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين ... ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فانه لا يشفع عنده أحد الا بإذنه... والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير اذنه فهو شريك له فى حصول المطلوب والله تعالى لا شريك له...) انظر(قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة).
والذي يسن التوسل به ما ثبت بالنص لأن التوسل عبادة؛ فلا تشرع إلا بنص.
ومما يجوز:
1: التوسل بأسمائه وصفاته. ويشرع هنا أن يكون بين المطلوب وبين ما تتوسل به مناسبة تقتضي حصول المطلوب؛ فإن طلبت المغفرة والتوبة تقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، فتوسلت باسم الغفور أو بسعة مغفرته وباسم التواب. وهذا الدعاء يتضمن ذكره باسمه وصفته سبحانه، والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به. انظر (بدائع الفوائد) (2/372) : (وإنما نبين ذلك بقاعدة قد أشرنا إليها مرارا وهي أن من دعا الله تعالى بأسمائه الحسنى أن يسأل في كل مطلوب ويتوسل إليه بالإسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله حتى كأن الداعي مستشفع إليه متوسل إليه به فإذا قال رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور فقد سأله أمرين وتوسل إليه باسمين من أسمائه مقتضيين لحصول مطلوبه
وكذلك قول النبي لعائشة وقد سألته ما تدعو به إن وافقت ليلة القدر (قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني) صحيح.
وكذلك قوله للصديق وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) رواه البخاري ومسلم. وهذا كثير جدًا فلا نطول بإيراد شواهده.
وإذا ثبت هذا فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه السلامة، فتضمن لفظُ السلام معنيين: أحدهما: ذكر الله، كما في حديث ابن عمر. والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم، فقد تضمن (سلام عليكم) اسمًا من أسماء الله وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة.
وقريب من هذا ما روي عن بعض السلف أنه قال في آمين أنه اسم من أسماء الله تعالى وأنكر كثير من الناس هذا القول وقالوا ليس في أسمائه آمين ولم يفهموا معنى كلامه فإنما أراد أن هذه الكلمة تتضمن اسمه تبارك وتعالى فإن معناها استجب وأعط ما سألناك فهي متضمنة لاسمه مع دلالتها على الطلب وهذا التضمن في سلام عليكم أظهر لأن السلام من أسمائه تعالى فهذا كشف سر المسألة.)
وفي (المدارج) (2/434): (والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة فإنها متضمنة للثناء على الله والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به).
2: التوسل بصالح العمل: كما في الصحيحين من قصة(ثلاثة رهط ممن كانوا قبلنا، أووا إلى غار فانحدرت صخرة فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم فدعا كل واحد منهم ربه بخالص عمله. دعا أحدهم ببره لوالديه والثاني بعفته عن الزنا والثالث بأمانته ثم يقولون: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه) فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون)
3: التوسل بدعاء رجل صالح: كأن يقول لمن يعرف منه الصلاح (أدعولي) وهذا واضح في الاستسقاء -إن شاء الله- كما في (صحيح البخاري) قال عمر: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون) وصح طلب جماعة من الصحابة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم.
4: التوسل بذكر الحال وإظهار الذل والافتقار إلى الله ولو لم يذكر حاجته: كقول موسى: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير}.
وكما في دعاء الكرب: ( لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم) -وهو في الصحيحين- وهذا ليس فيه ذكر المطلوب والمقصود ولكن فيه الثناء على الله تعالى بما يقتضي الإجابة.
وهو أسلوب معروف عند العرب.
ويذكرون من شعر أمية بن أبي الصلت يمدح عبدالله بن جدعان التيمي وهو رجل معروف بجوده -على كفره-:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع * لك الحسب المهذب والسناء
كريم لا يغيره صباح * عن الخلق الجميل ولا مساء
يباري الريح مكرمة وجودا * إذا ما الكلب أحجره الشتاء
وأرضك أرض مكرمة بنتها * بنو تيم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء
بل قد يكون بذل الكريم في مثل هذه الحال أعظم وأكثر من المطلوب.
وفي (بدائع الفوائد) (3/521) : (عاشرها أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه فهو ذكر وزيادة كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب كما قال النبي
(أفضل الدعاء الحمد لله) -حسن- فسمى الحمد لله دعاء وهو ثناء محض لأن الحمد يتضمن الحب والثناء والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب فالحامد طالب لمحبوبه فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب من ربه حاجة ما فتأمل هذا الموضع ولا تحتاج إلى ما قيل ان الذاكر متعرض للنوال وإن لم يكن مصرحا بالسؤال فهو داع بما تضمنه ثناؤه من التعرض كما قال أمية بن إبي الصلت
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
وعلى هذه الطريقة التي ذكرناها فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب وهو طلب المحب فهو دعاء حقيقة بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه والمقصود أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه)
إذن لا بد من الدعاء سواء بذكر المطلوب أم بالثناء.
وبالله التوفيق.