.
.
ما الفرق بين التوسل والاستغاثة في الحقيقة والحكم؟
الحمد لله. الاستغاثة فيها طلب نفس المستغاث. كأن تقول:
اللهم أغثني أو أن تدعوه في حال الاضطرار.
وأما التوسل ففيه طلب المتوسل إليه بذكر الوسيلة وذكرها أدعى لحصول المقصود. كأن تقول: يا رب أسألك بأنك أنت الله وأستغيث برحمتك.
فأنت لم تدعو الرحمة ولم تخاطبها؛ بل الخطاب موجه إلى الله تعالى.
وهكذا استغثته بالرحمة ولم تدعُها ولم تطلب منها الغوث بل من الله.
لاحظ أنك قلت: رحمتك... أسألك... هذا موجه إلى الله.
لكن لو أنك قلت: يا رحمة الله أستغيثكِ لم يجز ذلك؛ لأن ذلك دعاء الرحمة نفسَها واستغاثة لها. وفرق بين أن تستغيث الرحمة، وبين أن تستغيث الله بها.
الأول استغاثة، والثاني توسل بها مع استغاثة الله.
فلا نستغيثها، بل نستغيث الله بها. كقوله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم} والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة؛ كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة. وكما أن القسم بصفاته قسم به في الحقيقة.
واستغاثة الرحمة لا تجوز بل هو كفر. هذا وهي صفة قائمة بالله؛ فكيف باستغاثة غير صفات الله -تعالى- كمن يستغيث المخلوقين، حتى لو كانوا ملائكة مقربين أو أنبياء مرسلين أو أولياء صالحين.
وقد بين ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله- ففي الرد على البكري: (أن مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماته جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث، وأما دعاء صفاته وكلماته فكفر باتفاق المسلمين؛ فهل يقول مسلم يا كلام الله اغفر لي وارحمني وأغثني أو أعني! أو يا علم الله أو يا قدرة الله أو يا عزة الله أو يا عظمة الله ونحو ذلك! أو سمع من مسلم أو كافر أنه دعا لذلك من صفات الله وصفات غيره! أو يطلب من الصفة جلب منفعة أو دفع مضرة أو إعانة أو نصرًا أو إغاثة أو غير ذلك!... ورأيي أن الاستغاثة تتعدى بنفسها كما يتعدى السؤال كقوله: {إذ تستغيثون ربكم} وقوله: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه}
فظنوا أن قول القائل: استغثت بفلان. كقوله: سألت بفلان.
والمتوسل إلى الله بغائب أو ميت؛ تارة يقول أتوسل إليك بفلان، وتارة يقول أسألك بفلان، فإذا قيل ذلك بلفظ الاستغاثة؛ فإما أن يقول: أستغيثك بفلان أو أستغيث إليك بفلان، ومعلوم أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب.
وأصل الشبهة على هذا التقدير أنهم لم يفرقوا بين الباء في استغثت به التي يكون المضاف بها مستغاثًا مدعوًا مسؤولًا مطلوبًا منه، وبالاستغاثة المحضة من الإغاثة التي يكون المضاف بها مطلوبًا به لا مطلوبا منه، فإذا قيل: توسلت به أو سألت به أو توجهت به فهي الاستغاثة؛ كما تقول: كتبت بالقلم. وهم يقولون: أستغيثه واستغثت. به من الإغاثة، كما يقولون: استغثت الله واستغثت به من الغوث.
فالله في كلا الموضعين مسؤول مطلوب منه، وإذا قالوا لِمخلوقٍ استغثته واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسؤولًا مطلوبًا منه، وأما إذا قالوا: استغث به من الإغاثة فقد يكون مسؤولًا وقد لا يكون مسؤولًا. وكذلك استنصرته واستنصرت به؛ فإن المستنصر يكون مسؤولًا مطلوبًا و أما المستنصر به فقد يكون مسؤولًا، وقد لا يكون مسؤولًا،
فلفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به.
وقول القائل: استغثت فلانًا واستغثت به بمعنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به؛ فلا يجوز للإنسان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله...) (تلخيص كتاب الاستغاثة في الرد على البكري) تحقيق محمد عجال (1/185).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-: (ولهذا قال العلماء الْمُصَنِّفُونَ في أسماء الله تعالى: يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غِيَاثَ ولا مغيث على الإطلاق إلا اللَّهُ، وأن كل غَوْثٍ فمن عنده؛ وإن كان جَعَلَ ذلك على يَدَيْ غَيْرِهِ؛ فالحقيقة له -سبحانه وتعالى- ولغيره مجاز. قالوا: من أَسْمَائِهِ -تَعَالَى- الْمُغِيثُ وَالْغِيَاثُ، وَجَاءَ ذِكْرُ الْمُغِيثِ فِي حَدِيثِ أبي هريرة. قالوا: واجتمعت الأمة على ذلك. وقال أبو عبد الله الحليمي: الغِيَاثُ هو المغيث، وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين. ومعناه المدرِك عبادَه في الشدائد إذا دعوه، وَمُجِيبُهُمْ وَمُخَلِّصُهُمْ. وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين: (اللهم أغثنا اللهم أغثنا) يقال: أغاثه إغاثة وغِياثًا وغوثًا. وهذا الاسم في معنى المجيب والمستجيب، قال -تعالى-: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر. قالوا: الفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث. والداعي ينادي بالمدعو والمغيث. وهذا فيه نظر؛ فإن من صيغة الاستغاثة يا لَلَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وقد رُوي عن معروف الكرخي أنه كان يكثر أن يقول: وا غوثاه. ويقول إني سمعت الله يقول: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم) وفي الدعاء المأثور: (يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك) والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة؛ كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة. وكما أن القسم بصفاته قسم به في الحقيقة. ففي الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق) وفيه (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: (أعوذ بكلمات الله التامة) قالوا: والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق. وكذلك القسم قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) وفي لفظ (من حلف بغير الله فقد أشرك) رواه الترمذي وصححه. ثم قد ثبت في الصحيح: الحلف (بعزة الله) و (لعمر الله) ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهي عنه والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به وإما مخطئ ضال. وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أيضا مما يجب نفيها ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها) (الفتاوى) (1 / 110-112).
مع العلم بأن التوسل بالمخلوق في غير الصورة المشروعة كما في هذا الرابط: http://almousely.com/home/node/228
وهذا: http://almousely.com/home/node/14
هو بدعة منكرة ما لم يقترن به ما يصيره شركًا.
أرجو أن يكون واضحًا. والله الموفق.