الباعث 22 في معرفة العربية إلى آداب المحدث
المجلس الخامس من الباعث الحثيث:
وفيه الكلام عن معرفة طالب الحديث وحاجنه العربية إلى آداب المحدث.
قال ابن كثير:
" فرع آخر " : ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفاً بالعربية. قال الأصمعي: " أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن " فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه " .
وأما التصحيف، فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين. والله الموفق.
وأما إذا لحن الشيخ، فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكي عن الأوزاعي، وابن المبارك، والجمهور. وحكى عن محمد ابن سيرين وأبي معمر عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحوناً. قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. وعن القاضي عياض: أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ: أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن، استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ، كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي. ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، منهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي، لكثرة مطالعته وافتنانه. قال: وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه.
قال: والأولى سد باب التغيير والإصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع.
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أن أباه كان يصلح لحناً الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل.
" قلت " : ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحوناً عن الشيخ ترك روايته، لأنه إن تبعه في ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب، فلم يسمعه منه كذلك.
" فرع " : وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم، فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب، فلا بأس بتجديده على الصواب. وقد قال الله تعالى: (والله يعلم المفسد من المصلح).
" فرع آخر " : وإذا روي الحديث عن شيخين فأكثر، وبين ألفاظهم تباين: فإن ركب السياق من الجميع، كما فعل الزهري في حديث الإفك، حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة، وقال: " كل حدثني طائفة من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض " ، وساقه بتمامه - : فهذا سائغ، فإن الأئمة قد تلقوه بالقبول، وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها.
وللراوي أن يبين كل واحدة منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديث وإخبار وإنباء. وهذا مما يعني به مسلم في صحيحه، ويبالغ فيه، وأما البخاري فلا يعرج على ذلك ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين، والله أعلم، وهو نادر.
" فرع آخر " : وتجوز الزيادة في نسب الراوي، إذا بين أن الزيادة من عنده. وهذا محكي عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين. والله أعلم.
" فرع آخر " : جرت عادة المحدثين إذا قرؤوا يقولون: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، قال: أخرنا فلان " ، ومنهم من يحذف لفظة " قال " ، وهو سائغ عند الأكثرين.
وما كان من الأحاديث بإسناد واحد، كنسخة عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وغير ذلك - : فله إعادة الإسناد عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديث منها، ثم يقول: " وبالإسناد " . أو: " وبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا " ، ثم له أن يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديث الإسناد.
" قلت " : والأمر في هذا قريب سهل يسير. والله أعلم.
وأما إذا قدَّم ذكر المتن على الإسناد كما إذا قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا " ثم قال: " أخبرنا به " ، وأسنده: فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أولاً ويتبعه بذكر متن الحديث؟ فيه خلاف، ذكره الخطيب ابن الصلاح.
والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم. ولهذا يعيد محدثو زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الخبر، لأن من الناس من يسمع من أثنائه بفوت، فيتصل له سماع ذلك من الشيخ، وله روايته عنه كما يشاء، من تقديم إسناده وتأخيره. والله أعلم.
" فرع " : إذا روي حديثاً بسنده، ثم أتبعه بإسناد آخر، وقال في آخره: " مثله " أو " نحوه " ، وهو ضابط محرر: فهل يجوز روايته لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني؟ قال شعبة: لا، وقال الثوري: نعم، حكاه عنهما وكيع، وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله " مثله " ، ولا يجوز في " نحوه " . قال الخطيب: إذا قيل بالرواية على هذا المعنى فلا فرق بين قوله " مثله " أو " نحوه " ، ومع هذا أختار قول ابن معين. والله أعلم.
أما إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: " الحديث " ، أو " الحديث بتمامه " ، أو " بطوله " أو " إلى آخره " ، كما جرت به عادة كثير من الرواة: فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟ رخص في ذلك بعضهم ومنع منه آخرون، منهم الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني الفقيه الأصولي، وسأل أبو بكر اليرقاني شيخه أب بكر الإسماعيلي عن ذلك؟ فقال: إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى.
قال ابن الصلاح: " قلت " : وإذا جوَّزنا ذلك فالتحقيق أنه يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية.
وينبغي أن يُفصَّل، فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره، فتجوز الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه وتحقق سماعه. والله أعلم.
إبدال لفظ " الرسول " أو " النبي " " بالرسول " : قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز ذلك، وإن جازت الرواية بالمعنى، يعني لاختلاف معنييهما، ونقل عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك.
فإذا كان في الكتاب " النبي " فكتب المحدث " رسول الله صلى الله عليه وسلم " ضرب على " رسول " وكتب " النبي " . قال الخطيب: وهذا منه استحباب، فإن مذهبه الترخيص في ذلك.
قال صالح: سألت أبي عن ذلك؟ فقال: أرجو أنه لا بأس به.
وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهزاً كانا يفعلان ذلك بين يديه، فقال لهما: أما أنتما فلا تفقهان أبداً!! " الرواية في حال المذاكرة " : هل تجوز الرواية بها؟ حكى ابن الصلاح عن ابن مهدي، وابن المبارك، وأبي زرعة، المنع من التحديث بها، لما يقع فيها من المساهلة، والحفظ خوَّان.
قال ابن الصلاح: ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم أحمد بن حنبل.
قال: فإذا حدث بها فليقل: " حدثنا فلان مذاكرة " ، أو " في المذاكرة " ، ولا يطلق ذلك فيقع في نوع من التدليس والله أعلم.
وإذا كان الحديث عن اثنين، جاز ذكر ثقة منهما وإسقاط لآخر ثقة كان أو ضعيفاً. وهذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالباً. وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطه، بل يذكره. والله أعلم.
النوع السابع والعشرون
آداب المحدث
وقد ألف الخطيب البغدادي في ذلك كتاباً سماه: " الجامع لآداب الشيخ والسامع " .
وقد تقدم من ذلك مهمات في عيون الأنواع المذكورة.
قال ابن خلاد وغيره ينبغي للشيخ أن لا يتصدى للحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة. وقال غيره: أربعين سنة. وقد أنكر القاضي عياض ذلك، بأن، أقواماً حدثوا قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين، منهم: مالك بن أنس، ازدحم الناس عليه وكثير من مشايخه أحياء.