.
.
هل تقبل زيادة الثقة مطلقاً أم ترد أم تقبل بشروط؟
الحمد لله:
الشذوذ: هو مخالفة مقبول الرواية لمن هو أرجح منه من حيث الصفات أو العدد.
ويكون في الإسناد والمتن ونقصاً أو زيادة وضابطه المنافاة، بحيث لا يمكن الجمع بينه وبين الرواية الراجحة. وهذه مردودة قطعاً. هذا هو الأصل في الشذوذ.
وأما زيادة الثقة التي اشتد الخلاف فيها فهي زيادة في اللفظ تتضمن زيادة في المعني ولو لم تنافِ المزيد عليه، بشرط اتحاد مخرج الزيادة والمزيد.
وجمهور الفقهاء والأصوليين على قبولها واختلف نقل الخطيب رحمه الله عن جمهور أهل الحديث. والواقع أن الزيادة عندهم لا تقبل مطلقا ولا ترد مطلقًا. بل هم يقبلونها ويردونها بحسب ما اقترن بها وما وقفوا عليه مما يمنع إمكان انفراد هذا الراوي بما شارك في أصله الحفاظ المتقنين. ولكن مع الأسف لم يتفقوا على ضوابط محددة للقبول والرد واختلفت فيهما أنظارهم. وهذا مما يصعب المهمة في طريق الباحث. لمعرفة المردود من المقبول منها. ومن ثم اختلفت أقوالهم في زيادات، فقد ينبني الخلاف على الخطأ في ادعاء الانفراد، أو اعتبار كونها تتضمن زيادة في المعنى، وأنه يبعد انفراد مثله بتلك الزيادة عن أقرانه أو من فوقهم عن ذلك الشيخ المكثر.. إلى غير ذلك من الأسباب التي يحتاج أكثرها إلى استقراء ذوي الاطلاع الواسع والإتقان.
والخلاصة أنه لا بد من الاجتهاد في تحقيق مواضع الزيادات من غير ركون إلى إطلاق أن الزيادة من الثقة مقبولة مطلقاً.
والراجح هو التوسط وهو الذي جرى عليه عمل أئمتهم أنها تقبل ممن عرف بأنه ممن يعتمد على حفظه وإتقانه.
وهذا أولى من التطرف في رد الزيادة مطلقا أو قبول زيادة كل من قبل حديثه وإن لم يكن من الحفاظ المتقنين.
قال الحافظ: (فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا متقنًا حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددا منه أو كان فيهم من هو أحفظ منه أو كان غير حافظ ولو كان في الأصل صدوقا فإن زيادته لا تقبل. وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق - والله أعلم.، ثم ذكر قول من يقبلها مطلقا ثم قال: (وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها.
فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توفر (دواعيهم) على الأخذ عنه وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها.
وأما ما حكاه ابن الصلاح عن الخطيب، فهو وإن نقله عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث، فقد خالف في اختياره فقال: بعد ذلك: "والذي نختاره أن الزيادة مقبولة إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا". قلت [القائل ابن حجر]: وهو توسيط بين المذهبين، فلا تُرَدُّ الزيادة من الثقة مطلقا ولا نقلبها مطلقا. وقد تقدم مثله عن ابن خزيمة وغيره وكذا قال ابن طاهر: إن الزيادة إنما تقبل عند أهل الصنعة من الثقة المجمع عليه (اهـ (النكت على ابن الصلاح) (2/690( .
و قال الحافظ: (تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر، لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة على غيره من الثقات إذ مخالفة في روايته لهم - بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظا وأكثر عددا فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته.
ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن........... وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها.
فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها. وأما ما حكاه ابن الصلاح عن الخطيب، فهو وإن نقله عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث، فقد خالف في اختياره فقال: بعد ذلك: "والذي نختاره أن الزيادة مقبولة إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا".
قلت: وهو توسيط بين المذهبين، فلا ترد الزيادة من الثقة مطلقا ولا نقلبها مطلقا. وقد تقدم مثله عن ابن خزيمة وغيره وكذا قال ابن طاهر: إن الزيادة إنما تقبل عند أهل الصنعة من الثقة المجمع عليه) (النكت على كتاب ابن الصلاح) (2 / 691-693).
قال الترمذي -رحمه الله-: (وَرُبَّ حَدِيثٍ إِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ لِزِيَادَةٍ تَكُونُ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ مثل ما روى مالك...... وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِمَّنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ وَقَدْ أَخَذَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ وَاحْتَجُّوا بِهِ منهم الشافعي وأحمد بن حنبل قالا إذا كان للرجل عبيد غير مسلِمين لم يؤد عنهم صدقة الفطر واحتجا بحديث مالك فإذا زَادَ حَافِظٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ قُبِلَ ذَلِكَ عَنْهُ ورب حديث يروى من أوجه كثيرة وإنما يُسْتَغْرَبُ لِحَالِ الْإِسْنَادِ) سنن الترمذى - (13 / 54).
وفي (صحيح ابن خزيمة) (1 / 354)
قال ابن خزيمة: (714 - أنا أبو طاهر نا أبو بكر نا محمد بن يحيى نا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة نا عاصم بن كليب الجرمي أخبرني أبي أن وائل بن حجر أخبره قال : قلت لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم كيف يصلي ؟ قال فنظرت إليه يصلي فكبر فذكر بعض الحديث وقال : ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها )
قال أبو بكر [أي: ابن خزيمة]: ليس في شيء من الأخبار يحركها إلا في هذا الخبر زائد ذكره. اهـ.
وقد روى الحديث عن عاصم بن كليب شعبة بن الحجاج و السفيانان و بشر بن المفضل وجماعة من الكبار غيرهم ولم يذكروا التحريك.
وكما نلاحظ المخالف هنا زائدة ابن قدمة وهو ممن يعتمد على حفظه. وهو من هو !:
قال ابن حبان فى " الثقات " : كان من الحفاظ المتقنين، لا يَعُدُ السماع حتى يسمعه ثلاث مرات.
وقال الحافظ ابن حجر في مواطن (والزيادة من الحافظ مقبولة) أنظر: فتح الباري 1: (3 / 21) 2: ) 3 / 93 ) 3: )جزء 6 /470) 4: )جزء 10 / 73 )
~~~~~~~~~~~~~~
ومن أمثلة الزيادات التي لا تقبل مع كون الراوي ثقة ما جاء عن جماعة من الحفاظ المتقنين.
حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ ..) الحديث وفيه: (.. ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وفي موضع: (وَقَالَ { وَمَا قَدَرُوا...}) وفي موضع: (ثُمَّ قَالَ { وَمَا قَدَرُوا...}) و... وليس فيما رروا كلمة (فأنزل) لتدل على أنها سبب نزولها.
*وخالفهم 1: جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبى عن منصور. 2: شيبان أبي معاوية عن الأعمش. 3: أبو كدينة عن عطاء. لعلهم أخطأوا فقالوا فأُنزِل بدل فقرأ:
أما جرير فهو ثقة؛ ومما قيل فيه: سئل أبو عبد الله : من أحب إليك . جرير أو شريك ؟ فقال : جرير أقل سقطا من شريك ، شريك كان يخطىء . و قال أحمد بن حنبل : لم يكن بالذكى ، اختلط عليه حديث أشعث و عاصم الأحول حتى قدم عليه بهز ، فعرفه . نقله العقيلى .
و قال البيهقى فى " السنن " : نسب فى آخر عمره إلى سوء الحفظ .
وأما شيبان فهو ثقة أيضًا ومما قيل فيه: قال الساجى: صدوق، و عنده مناكير وأحاديث عن الأعمش تفرد بها.
وأما أبو كدينة فصدوق؛ ولا أظن سماعه من السماع القديم عن عطاء بل قد يكون بعد اختلاطه فلا يؤمن على الحديث.
وقال ابن حبان -عنه فى كتاب "الثقات"- : ربما أخطأ .
*قال الترمذي - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا محمد بن الصلت حدثنا أبو كدينة عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن بن عباس قال: مر يهودي بالنبي صلى الله عليه و سلم فقال له النبي صلى الله عليه و سلم يا يهودي حدثنا فقال كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرض على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه وأشار أبو جعفر محمد بن الصلت بخنصره أولا ثم تابع حتى بلغ الإبهام فأنزل الله { وما قدروا الله حق قدره }.
والله الموفق للصواب.